الشوكاني
353
فتح القدير
وسعيد بن منصور والبيهقي عنه قال : لو أخذت فضة من فضة الدنيا فضربتها حتى جعلتها مثل جناح الذباب لم ير الماء من ورائها ، ولكن قوارير الجنة ببياض الفضة في صفاء القوارير . وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال : ليس في الجنة شئ إلا وقد أعطيتم في الدنيا شبهه إلا قوارير من فضة . وأخرج الفريابي عنه أيضا في قوله : ( قدروها تقديرا ) قال : أتوا بها على قدر الفم لا يفضلون شيئا ولا يشتهون بعدها شيئا . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه أيضا ( قدروها تقديرا ) قال : قدرتها السقاة . وأخرج ابن المبارك وهناد وعبد بن حميد والبيهقي في البعث عن ابن عمرو قال : إن أدنى أهل الجنة منزلا من يسعى عليه ألف خادم كل خادم على عمل ليس عليه صاحبه ، وتلا هذه الآية ( إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا ) . قوله ( إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا ) أي فرقناه في الإنزال ولم ننزله جملة واحدة . وقيل المعنى : نزلناه عليك ولم تأت به من عندك كما يدعيه المشركون ( فاصبر لحكم ربك ) أي لقضائه ، ومن حكمه وقضائه تأخير نصرك إلى أجل اقتضته حكمته . قيل وهذا منسوخ بآية السيف ( ولا تطع منها آثما أو كفورا ) أي لا تطع كل واحد من مرتكب لإثم وغال في كفر ، فنهاه الله سبحانه عن ذلك . قال الزجاج : إن الألف هنا آكد من الواو وحدها لأنك إذا قلت : لا تطع زيدا وعمرا ، فأطاع أحدهما كان غير عاص ، لأنه أمره أن لا يطيع الاثنين ، فإذا قال : لا تطع منهم آثما أو كفورا دل ذلك على أن كل واحد منهما أهل أن يعصى ، كما أنك إذا قلت : لا تخالف الحسن أو ابن سيرين ، فقد قلت إنهما أهل أن يتبعا ، وكل واحد منهما أهل أن يتبع . وقال الفراء : " أو " هنا بمنزلة لا ، كأنه قال : ولا كفورا . وقيل المراد بقوله ( آثما ) عتبة بن ربيعة ، وبقوله ( أو كفورا ) الوليد بن المغيرة ، لأنهما قالا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : ارجع عن هذا الأمر ونحن نرضيك بالمال والتزويج ( واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا ) أي دم على ذكره في جميع الأوقات . وقيل المعنى : صل لربك أول النهار وآخره ، فأول النهار صلاة الصبح ، وآخره صلاة العصر ( ومن الليل فاسجد له ) أي صل المغرب والعشاء . وقيل المراد الصلاة في بعضه من غير تعيين ، ومن للتبعيض على كل تقدير ( وسبحه ليلا طويلا ) أي نزهه عما لا يليق به ، فيكون المراد الذكر بالتسبيح سواء كان في الصلاة أو في غيرها . وقيل المراد التطوع في الليل . قال ابن زيد وغيره : إن هذه الآية منسوخة بالصلوات الخمس . وقيل الأمر الندب . وقيل هو مخصوص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ( إن هؤلاء يحبون العاجلة ) يعنى كفار مكة ومن هو موافق لهم . والمعنى : أنهم يحبون الدار العاجلة ، وهي دار الدنيا